قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3 مائده)

مجمع البیان ج 3 ص 273 - 275
سورة المائدة وآياتها عشرون ومائة هي مدنية في قول ابن عباس، ومجاهد. وقال جعفر بن مبشر، والشعبي: هي مدنية كلها، إلا قوله (اليوم أكملت لكم دينكم) فإنه نزل، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف على راحلته في حجة الوداع. ص 257
(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) ليس يريد يوما بعينه، بل معناه: الآن يئس الكافرون من دينكم، كما يقول القائل: اليوم قد كبرت! يريد إن الله تعالى حول الخوف الذي كان يلحقهم، من الكافرين اليوم إليهم، ويئسوا من بطلان الاسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون به في قوله: (ليظهره على الدين كله) والدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالقيام به، ومعنى (يئسوا): انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك، عن ابن عباس، والسدي، وعطا. وقيل: إن المراد باليوم يوم عرفة من حجة الوداع، بعد دخول العرب كلها في الاسلام، عن مجاهد، وابن جريج، وابن زيد. وكان يوم جمعة، ونظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ير إلا مسلما موحدا، ولم ير مشركا.
(فلا تخشوهم) خطاب للمؤمنين، نهاهم الله أن يخشوا ويخافوا من الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهروا المسلمين، ويردوهم عن دينهم (واخشون) أي: ولكن اخشوني، أي: خافوني إن خالفتم أمري، وارتكبتم معصيتي، أن أحل بكم عقابي، عن ابن جريج، وغيره.
(اليوم أكملت لكم دينكم) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي، وحلالي وحرامي، بتنزيلي ما أنزلت، وبياني ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان ذلك يوم عرفة عام حجة الوداع، عن ابن عباس، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم شئ من الفرائض في تحليل ولا تحريم، وإنه مضى بعد ذلك بإحدى وثمانين ليلة.
فإن اعترض معترض، فقال: أكان دين الله ناقصا، وقتا من الأوقات، حتى أتمه في ذلك اليوم؟ فجوابه: إن دين الله لم يكن إلا في كمال، كاملا في كل حال، ولكن لما كان معرضا للنسخ والزيادة فيه، ونزول الوحي بتحليل شئ، أو تحريمه، لم يمتنع أن يوصف بالكمال، إذا أمن من جميع ذلك فيه، كما توصف العشرة بأنها كاملة، ولا يلزم أن توصف بالنقصان، لما كانت المائة أكثر منها وأكمل. وثانيها: إن معناه اليوم أكملت لكم حجكم، وأفردتكم بالبلد الحرام، تحجونه دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك، عن سعيد بن جبير، وقتادة، واختاره الطبري، قال: لان الله سبحانه أنزل بعده (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة).
قال الفراء: وهي آخر آية نزلت، وهذا الذي ذكره لو صح لكان لهذا القول ترجيح، لكن فيه خلاف. وثالثها: إن معناه اليوم كفيتكم الأعداء، وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك، وكمل لنا ما نريد، بأن كفينا ما كنا نخافه، عن الزجاج، والمروي عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنه إنما أنزل بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام للأنام، يوم غدير خم منصرفه عن حجة الوداع، قالا:
وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل بعدها فريضة.
وقد حدثنا السيد العالم أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، قال: حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرنا أبو بكر الجرجاني، قال حدثنا أبو أحمد البصري، قال: حدثنا أحمد بن عمار بن خالد، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية، قال: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية علي بن أبي طالب من بعدي، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاده، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي عن صفوان، عن العلا ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان نزولها بكراع الغميم [1]، فأقامها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجحفة. وقال الربيع بن أنس: نزلت في المسير في حجة الوداع.
(وأتممت عليكم نعمتي) خاطب سبحانه المؤمنين بأنه أتم النعمة عليهم بإظهارهم على المشركين، ونفيهم عن بلادهم، عن ابن عباس، وقتادة. وقيل: معناه أتممت عليكم نعمتي، بأن أعطيتكم من العلم والحكمة، ما لم يعط قبلكم نبي ولا أمة. وقيل: إن تمام النعمة دخول الجنة.
(ورضيت لكم الاسلام دينا) أي: رضيت لكم الاسلام لأمري، والانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه، ومعالمه، دينا أي: طاعة منكم لي، والفائدة في هذا أن الله سبحانه، لم يزل يصرف نبيه محمدا وأصحابه في درجات الاسلام ومراتبه، درجة بعد درجة، ومنزلة بعد منزلة، حتى أكمل لهم شرائعه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم قال: رضيت لكم الحال التي أنتم عليها اليوم، فالزموها ولا تفارقوها، ثم عاد الكلام إلى القضية المتقدمة في التحريم والتحليل وإنما ذكر قوله (اليوم يئس الذين كفروا) إلى قوله (ورضيت لكم الاسلام دينا) اعتراضا. [1] كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة.