آیه ابتلا 124-بقره / آلوسی -3

قالَ استئناف بياني أيضا، والضمير لله عز اسمه لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ إجابة لما راعى الأدب في طلبه من جعل بعض ذريته نبيا كما جعل مع تعيين جنس البعض الذي أبهم في دعائه عليه السلام بأبلغ وجه وآكده حيث نفى الحكم عن أحد الضدين مع الاشعار إلى دليل نفيه عنه ليكون دليلا على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد الإمامة، وليست هي هنا إلا النبوة. وعبر عنها «به» للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده، وآثر النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء من ذريته عليهم السلام ليست بجعل مستقل بل هي حاصلة في ضمن إمامته تنال كلّا منهم في وقته المقدر له، ولا يعود من ذلك نقص في رتبة نبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه جار مجرى التغليب على أن مثل ذلك لو كان يحط من قدرها لما خوطب صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [النحل: 123] والمتبادر من- الظلم- الكفر لأنه الفرد الكامل من أفراده، ويؤيده قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254] فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة، نعم فيها قطع أطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نيلها، واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم حيث أنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك وإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حال الظلم لا تناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم، واعترض بأن مِنْ تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الامامة سواء كان عادلا في باقي العمر أم لا، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم، فعلى الأول يلزم عدم مطابقة الجواب، وعلى الثاني جهل الخليل، وحاشاه وعلى الثالث المطلوب وحياه، وعلى الرابع إما المطلوب أو الفساد وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي
يدعونها- ودون إثباته خرط القتاد- وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه إلزام الكل، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال، والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه، وكذا إذا اختير الشق الأول بل الزيادة عليه زيادة، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضا بأن نقول: هو على قسمين، أحدهما من يكون ظالما قبل الإمامة ومتصفا بالعدالة وقتها اتصافا مطلقا بأن صار تائبا من المظالم السابقة فيكون حال الإمامة متصفا بالعدالة المطلقة، والثاني من يكون ظالما قبل الإمامة ومحترزا عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة، ويجوز أن يكون السؤال شاملا لهذا القسم ولا بأس به إذ أمن الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به فالجواب بنفي حصول الإمامة لهذا القسم والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المطلقة، والإيمان الراسخ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك، ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة، وفي غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضا مطردا بل حيث يكون متعارفا وإلا لجاز صبي لشيخ ونائم لمستيقظ وغني لفقير. وجائع لشبعان وحي لميت وبالعكس، وأيضا لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرا قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به، هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلا على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة بناء على أن الظلم خلاف العدل، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الامامة
لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا؟ فيتعين الثاني وهو العصمة، أو المراد بها هاهنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق علم عدم حصول الإمامة بعد ما دام اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل، أو التزام جامع، وهما مناط العيوق وإنما يدعو اليه حمل الإمامة على النبوة، وقد علمت أن المبني الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطارئ والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاء كما منع عنها ابتداء لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن- وبه قال بعض السلف- إلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله: هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذي قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الإمامة بقاء أيضا بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعا، ومن الناس من استدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده وأيد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهدا وهو كما ترى، وقرأ أبو الرجاء وقتادة والأعمش- الظالمون- بالرفع على أن عَهْدِي مفعول مقدم على الفاعل اهتماما ورعاية للفواصل 
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ إن أجري- السؤال- على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها وإن أريد به مسببه- أعني الجزاء- فهو تذييل لتتميم ما قبله، والجملة مستأنفة أو معترضة، والمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم، وإنما أطلق- العمل- لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وحمل الزمخشري الآية على معنى- لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم- واعترض بأنه مما لا يليق بشأن التنزيل، كيف لا وهم منزهون عن كسب السيئات، فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفائه، وأنت تعلم أنه إذا كان المقصود سوق ذلك بطريق كلي برهاني لا يتوهم ما ذكر.
هذا ومن الغريب حمل الإشارة على كل من إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وأن المعنى كل واحد منهم أُمَّةٌ أي بمنزلتها في الشرف والبهاء قَدْ خَلَتْ أي مضت، ولستم مأمورين بمتابعتهم لَها ما كَسَبَتْ وهو ما أمرها الله تعالى به وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ مما يأمركم به سبحانه وتعالى، ولا ينفعكم مكتسبهم لأنه ليس مقبولا منكم لأنه ليس في حقكم، إنما ينفعكم ما يجب عليكم كسبه وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ هل عملتم به؟ وإنما تسألون
عما كان يعمل نبيكم الذي أمرتم بمتابعته، فإن أعماله ما هو كسبكم المسئول عنه، فدعوا [1] أن هذا ما أمر به إبراهيم أو غيره، وتمسكوا بما أمر به نبيكم، واعتبروا إضافة العمل إليه دونهم، ولا يخفى أنه لو كانت هذه الآيات كلام هذا المفسر لأمكن حملها على هذا التفسير الذي لا فرع ولا أصل له، لكنها كلام رب العالمين الذي يجل عن الحمل على مثل ذلك.
«ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات السابقة إلى هنا» وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ أي بمراتب الروحانيات كالقلب والسر والروح والخفاء والوحدة والأحوال والمقامات التي يعبر بها على تلك المراتب.
كالتسليم والتوكل والرضا وعلومها فَأَتَمَّهُنَّ بالسلوك إلى الله تعالى وفي الله تعالى حتى الفناء فيه قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً بالبقاء بعد الفناء، والرجوع إلى الخلق من الحق، تؤمهم وتهديهم سلوك سبيلي، ويقتدون بك فيهتدون قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فلا يكونون خلفائي مع ظلمهم وظلمتهم برؤية الأغيار ومجاوزة الحدود وَإِذْ جَعَلْنَا بيت القلب مرجعا للناس، ومحل أمن وسلامة لهم إذا وصلوا إليه وسكنوا فيه من شر غوائل صفات النفس، وفتك قتال القوى الطبيعية وإفسادها، وتخييل شياطين الوهم والخيال وإغوائهم. وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ الذي هو مقام الروح والخلة موطنا للصلاة الحقيقية التي هي المشاهدة والخلة الذوقية وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أمرناهما بتطهير بيت القلب من قاذورات أحاديث النفس، ونجاسات وساوس الشيطان، وأرجاس دواعي الهوى، وأدناس صفات القوى للسالكين المشتاقين الذين يدورون حول القلب في سيرهم، والواصلين إلى مقامه بالتوكل الذي هو توحيد الأفعال، والخاضعين الذين بلغوا إلى مقام تجلي الصفات وكمال مرتبة الرضا، الغائبين في الوحدة، الفانين فيها وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا الصدر الذي هو حريم القلب بلدا آمِناً من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو اللعين، وتخطف جن القوى البدنية وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ثمرات معارف الروح من وحد الله تعالى منهم وعلم المعاد إليه، قال: ومن احتجب أيضا من الذين يسكنون الصدر ولا يجاوزون حده بالترقي إلى مقام العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا من المعاني العقلية والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على حسب استعدادهم ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ نار الحرمان والحجاب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم لتعذيبهم بنقصانهم وعدم تكميل نشأتهم وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ على الكيفية التي ذكرناها قبل وَإِسْماعِيلُ كذلك قائلين رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا مجاهداتنا ومساعينا في السلوك إليك بامداد التوفيق إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لهواجس خواطرنا فيك الْعَلِيمُ بنياتنا وأسرارنا رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ لا تكلنا إلى أنفسنا وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا المنتمين إلينا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا طرق الوصول إلى نفي ما سواك وَتُبْ عَلَيْنا لنفنى فيك عن أنفسنا وفنائنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الموفق للرجوع إليك الرَّحِيمُ بمن عول دون السوي عليك رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وهو الحقيقة المحمدية يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ الدالة عليك وَيُعَلِّمُهُمُ كتاب العقل الجامع لصفاتك وَالْحِكْمَةَ الدالة على نفي غيرك وَيُزَكِّيهِمْ ويطهرهم عن دنس الشرك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب، فأنى يظهر سواك المحكم لما ظهرت فيه فلا يرى إلا إياك وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ وهي التوحيد الصرف، إلا من احتجب عن نور العقل بالكلية، وبقي في ظلمة نفسه وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فكان من المحبوبين المرادين بالسابقة الأزلية في عالم الملك، وأنه في عالم الملكوت من أهل الاستقامة، الصالح لتدبير النظام وتكميل النوع
[1] هكذا ولعل كلمة أن هذا زائدة: تنبيه
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ أي وحّد وأسلم لله تعالى ذاتك قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وفنيت فيه وَوَصَّى بكلمة التوحيد إِبْراهِيمُ بَنِيهِ السالكين على يده وكذلك يعقوب يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ دينه الذي لا دين غيره عنده فَلا تَمُوتُنَّ بالموت الطبيعي وموت الجهل، بل كونوا ميتين بأنفسكم، أحياء بالله أبدا، فيدرككم موت البدن على هذه الحالة تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ فلا تكونوا مقيدين بالتقليد البحت لهم، فليس لأحد إلا ما كسب من العلم والعمل والاعتقاد والسيرة، فكونوا على بصيرة في أمركم، واطلبوا ما طلبوا لتنالوا ما نالوا وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ومن دق باب الكريم ولجّ ولج.
آلوسی ج1 ص 389

 

آیه ابتلا 124-بقره

وَ إِذِ ابْتَلي‏ إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِکَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُکَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ
و چون ابراهیم را پروردگارش به کارهایى که او را بدانها امر فرمود بیازمود و وى را به انجام آنها موفق ساخت، گفت: من تو را پیشواى مردم قرار خواهم داد. ابراهیم گفت: آیا از فرزندان من نیز کسى را پیشواى مردم قرار مى دهى ؟ فرمود: امامت، عهدِ من است، و عهدِ من به کسانى از فرزندان تو که ستمکارند نمى رسد.

آیه ابتلا 124-بقره / آلوسی ج 1 ص 372 -2

قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً استئناف بياني إن أضمر ناصب إِذِ كأنه قيل: فماذا كان بعد؟ فأجيب بذلك، أو بيان- لابتلى- بناء على رأي من جعل- الكلمات- عبارة عما ذكر أثره- وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئياته وإذا نصبت إِذِ بيقال كما ذهب إليه أبو حيان يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مرّ تفصيله، وقيل: مستطردة أو معترضة، ليقع قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ [الإنعام: 144] إن جعل خطابا لليهود موقعه، ويلائم قوله سبحانه: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: 135] 
و «جاعل» من- جعل- بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين، ولِلنَّاسِ إما متعلق بجاعل أي لأجلهم، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماما كائنا لهم- 
والإمام- اسم للقدوة الذي يؤتم به. «ومنه» قيل لخيط البناء: إمام، وهو مفرد على فعال، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالا من صيغها- كالإزار- واعترض بأن- الإمام- ما يؤتم به، والإزار ما يؤتزر به- فهما مفعولان- ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك- وليس فليس- ويكون جمع- آم- اسم فاعل من- أم يؤم- كجائع وجياع، وقائم وقيام، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملا للنبي والخليفة وإمام الصلاة، بل كل من يقتدى به في شيء ولو باطلا كما يشير إليه قوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: 41] إلا أن المراد به هاهنا النبي المقتدى به، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته، 
وهذه الإمامة إما مؤبدة- كما هو مقتضى تعريف الناس- وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأمورا باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ- ولو بعضه- لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك فالمراد من «الناس» حينئذ أمته الذين اتبعوه، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي- ولكن في عقائد التوحيد- وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلا كما يشير إليه قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الإنعام: 90] وعدم الشيوع غير مسلم، ولئن سلم لا يضر، والامتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى فتدبر.
ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سببا لجعله إماما، وقيل: إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من- الكلمات- يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة، وكذا الختان أيضا بناء على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين فحينئذ يحتاج إلى أن يكون- إتمام الكلمات- سبب الإمامة باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته، ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى.
قالَ استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيدا وجعله على معنى ماذا يكون مِنْ ذُرِّيَّتِي بعيد. وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي- اجعل من ذريتي- إماما لأنه عليه السلام فهم من إِنِّي جاعِلُكَ الاختصاص به، واختاره بعضهم واعترضوا على ما تقدم بأن الجار والمجرور لا يصلح مضافا إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر، ودفع الأولان بأن الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي في معنى بعض ذُرِّيَّتِي فكأنه قال: وجاعل بعض ذُرِّيَّتِي وهو صحيح على أن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب العباب: إنه وارد في القراءات السبع المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ودفع «الثالث» بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن أصله واجعل بعض ذُرِّيَّتِي كما قدره المعترض لكنه عدل عنه إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين» .
وقد ذكر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث «إن الله تعالى حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول الله»
واعترض أيضا بأن العطف المذكور يستدعي أن تكون إمامة- ذريته- عامة لجميع الناس عموم إمامته عليه السلام على ما قيل. وليس كذلك وأجيب بأنه يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى، وقيل: يكفي قبولها في حق نبينا عليه الصلاة والسلام- والذرية- نسل الرجل وأصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره، وقيل: إنها تشمل الآباء لقوله تعالى: أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: 41] يعني نوحا وأبناءه والصحيح خلافه، وفيها ثلاث لغات- ضم الذال وفتحها وكسرها- وبها قرىء وهي إما فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذروية فاجتمع في الأول واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الأولى- ذريوية- فقلبت الواو ياء لما سبق فصارت- ذريية- كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرية، أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذرئية فقلبت الهمزة ياء وأدغمت، أو فعلية من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ياء هربا من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت، وفي تقضضت تقضيت، أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام، أو فعلية منه على صيغة النسبة قالوا: وهو الأظهر لكثرة مجيئها كحرية ودرية، وعدم احتياجها إلى الاعلال وإنما ضمت ذاله لأن الابنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دهري.

 

آیه ابتلا 124-بقره / آلوسی ج 1 ص 372 -1

وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ 
في متعلق إِذِ احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية، و 1) اختار أبو حيان تعلقها ب قالَ الآتي، و 2) بعضهم بمضمر مؤخر، أي كان كيت و كيت و 3) «المشهور» تعلقها بمضمر مقدم تقديره- اذكر- أو- اذكروا- وقت كذا، 
والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والجامع الاتحاد في المقصد فإن المقصد من- تذكيرهم وتخويفهم- تحريضهم على قبول دينه صلّى الله عليه وسلّم، واتباع الحق، وترك التعصب، وحب الرياسة، كذلك المقصد من قصة إِبْراهِيمَ عليه السلام وشرح أحواله، الدعوة إلى ملة الإسلام وترك التعصب في الدين، وذلك لأنه إذا علم أنه نال- الإمامة- بالانقياد لحكمه تعالى وأنه لم يستجب دعاءه في الظَّالِمِينَ وأن الكعبة كانت مطافا ومعبدا في وقته مأمورا هو بتطهيره، وأنه كان يحج البيت داعيا مبتهلا- كما هو دين النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم- وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته، وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام، كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده، ويزعم اتباع ملته، ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته، أن يكون حاله مثل ذلك، وذهب عصام الملة والدين إلى جواز العطف على نِعْمَتِيَ أي اذْكُرُوا وقت- ابتلاء إبراهيم- فإن فيه ما ينفعكم ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة، لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في- الظلمة- ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظَّالِمِينَ واعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل اتَّقُوا بين المعطوفين
- والابتلاء- في الأصل الاختبار- كما قدمنا- والمراد به هنا التكليف. أو المعاملة معاملة الاختبار مجازا، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى- لكونه عالم السر والخفيات- 
وإِبْراهِيمَ علم أعجمي، قيل: معناه قبل النقل- أب رحيم- وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره، والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام، وإيذان بأن ذلك- الابتلاء- تربية له وترشيح لأمر خطير، 
والكلمات- جمع- كلمة- وأصل معناها- اللفظ المفرد- وتستعمل في الجمل المفيدة، وتطلق على معاني ذلك- لما بين اللفظ والمعنى من شدة الاتصال- واختلف فيها.
فقال طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها العشرة التي من الفطرة، المضمضة والاستنشاق وقص الشارب وإعفاء اللحية والفرق ونتف الإبط وتقليم الأظفار وحلق العانة والاستطابة والختان، وقال عكرمة رواية عنه أيضا: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة، التَّائِبُونَ [التوبة: 112] إلخ، وعشر في الأحزاب [25] إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلخ، وعشر في المؤمنين وسَأَلَ سائِلٌ إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [المعارج: 1- 24] وفي رواية الحاكم في مستدركه أنها ثلاثون، وعد السور الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة، فالذي في براءة، التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع، والسجود. والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر. والحفظ لحدود الله تعالى. والإيمان المستفاد من وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أو من إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 111] في الأحزاب، الإسلام. والإيمان. والقنوت والصدق. والصبر. والخشوع. والتصدق. والصيام. والحفظ للفروج والذكر، والذي في المؤمنين الإيمان والخشوع والاعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج- إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة- والرعاية للعهد. والأمانة اثنين والمحافظة على الصلاة، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد جمع العشرات المذكورة. كالإيمان. والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين تعدادا- إنما ينافي تغايرها ذاتا- ومن هنا عدت التسمية مائة وثلاث عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة، وما في رواية عكرمة مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات، وعده العاشرة البشارة للمؤمنين في براءة، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحدا وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: 24] غير- الفاعلين للزكاة- لشموله صدقة التطوع وصلة الأقارب، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على الاعتبار الأول أيضا- فلا إشكال- وقيل: ابتلاه الله تعالى بعدة أشياء بالكوكب والقمرين والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة من كوثى إلى الشام. وروي ذلك عن الحسن، وقيل: هي ما تضمنته الآيات بعد من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام. «وقيل، وقيل..» إلى ثلاثة عشر قولا، 
وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما «إبراهام» وأبو بكرة «إبراهم» - بكسر الهاء وحذف الياء- وقرأ ابن عباس. وأبو الشعثاء وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم برفع إِبْراهِيمَ ونصب رَبُّهُ- فالابتلاء- بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد. والمراد دعا رَبُّهُ بِكَلِماتٍ مثل رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الأعراف: 143] واجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35] ليرى هل يجيبه؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز. وأما ما قيل: إنه- وإن صح من العبد- لا يصح- أو لا يحسن تعليقه بالرب- فوجهه غير ظاهر سوى ذكر لفظ- الابتلاء- ويجوز أن يكون ذلك في مقام الأنس، ومقام الخلة غير خفي 
فَأَتَمَّهُنَّ الضمير المنصوب- للكلمات- لا غير. والمرفوع المستكن يحتمل أن يعود- لإبراهيم- وأن يعود- لربه- على كل من قراءتي- الرفع والنصب- فهناك أربعة احتمالات «الأول» عوده على إِبْراهِيمَ منصوبا، ومعنى فَأَتَمَّهُنَّ حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن كما يليق «الثاني» عوده على رَبُّهُ مرفوعا، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على- إتمامهن- أو أتم له أجورهن، أو أدامهن سنّة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين «والثالث» عوده على إِبْراهِيمَ مرفوعا- والمعنى عليه- أتم إبراهيم الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها، ولم يأت بعدها بما يضيعها «الرابع» عوده إلى رَبُّهُ منصوبا- والمعنى عليه- فأعطى سبحانه إِبْراهِيمَ جميع ما دعاه. وأظهر الاحتمالات الأول والرابع، إِذِ التمدح غير ظاهر في الثاني- مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته- والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث، لأن الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول.

 

سرآغاز

بسم الله الرحمن الرحیم

آیه 48 مائده - تفسیر طبری -2


الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْكُمْ جَعَلْنَا شِرْعَةً. وَالشِّرْعَةُ: هِيَ الشَّرِيعَةُ بِعَيْنِهَا , تُجْمَعُ الشِّرْعَةُ شِرَاعًا , وَالشَّرِيعَةُ شَرَائِعَ , وَلَوْ جُمِعَتِ الشِّرْعَةُ شَرَائِعَ كَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الشَّرِيعَةِ وَاحِدٌ , فَيَرُدُّهَا عِنْدَ الْجَمْعِ إِلَى لَفْظِ نَظِيرِهَا. وَكُلُّ مَا شَرَعْتَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ شَرِيعَةٌ , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الْمَاءِ: شَرِيعَةٌ , لِأَنَّهُ يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ شَرَائِعَ , لِشُرُوعِ أَهْلِهِ فِيهِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ إِذَا تَسَاوَوْا فِي الشَّيْءِ: هُمْ شُرُعٌ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمِنْهَاجُ , فَإِنَّ أَصْلَهُ: الطَّرِيقُ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ , يُقَالَ مِنْهُ: هُوَ طَرِيقٌ نَهْجٌ وَمَنْهَجٌ بَيِّنٌ , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] مَنْ يَكُ فِي شَكٍّ فَهَذَا فَلْجُ ... مَاءٌ رُوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ بَيِّنًا وَاضِحًا يُعْمَلُ بِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} [المائدة: 48] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ , أَيْ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ مِلَّةٍ شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ -[494]- جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ سَبِيلًا وَسُنَّةً. وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ: لِلتَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ , وِلِلْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ , وَلِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ , يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ بَلَاءً , لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ , وَلَكِنَّ الدِّينَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «الدِّينُ وَاحِدٌ , وَالشَّرِيعَةُ مُخْتَلِفَةٌ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ أَبِي رَوْقٍ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: الْإِيمَانُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , §لِكُلِّ قَوْمٍ مَا جَاءَهُمْ مِنْ شِرْعَةٍ أَوْ مِنْهَاجٍ , فَلَا يَكُونُ الْمُقِرُّ تَارِكًا وَلَكِنَّهُ مُطِيعٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالُوا: إِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: قَدْ جَعَلْنَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ لِكُلِّكُمْ: أَيْ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لِي نَبِيُّ , شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: " سُنَّةً {وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] السَّبِيلُ -[495]- لِكُلِّكُمْ , مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا , يَقُولُ: الْقُرْآنُ هُوَ لَهُ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: لِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْأُمَمُ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا , وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِقَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] وَلَوْ كَانَ عَنَى بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} [المائدة: 48] أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً مَعْنًى مَفْهُومٌ , وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْخِطَابُ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا كَتَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ , وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَفَّى بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلَ , وَأَمَرَ مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ , وَأَمَرَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ وَالْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ فِيهِ دُونَ مَا فِي سَائِرِ الْكُتُبِ غَيْرِهِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَمَمِ قَبْلَهُ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُمْ , وَإِنْ كَانَ دِينُهُ وَدِينُهُمْ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَاحِدًا , فَهُمْ مُخْتَلِفُو الْأَحْوَالِ فِيمَا شَرَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ , وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ مِنَ التَّأْوِيلَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «سُنَّةً وسَبِيلًا»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «سُنَّةً وسَبِيلًا» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ وَأَبِيهِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {§شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: " الشِّرْعَةُ: السُّنَّةُ , وَمِنْهَاجًا , قَالَ: السَّبِيلُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلَهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ: «سَبِيلًا وَسُنَّةً» -[498]- حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا الْحَوْضِيُّ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: «§سُنَّةً وسَبِيلًا»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ , يَقُولُ: " §الشِّرْعَةُ: السُّنَّةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَعْنِي: «سَبِيلًا وَسُنَّةً»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ , عَنْ أَبِي شَيْبَانَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «سُنَّةً وسَبِيلًا»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «سُنَّةً وسَبِيلًا» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , بِمِثْلِهِ ". -[497]- حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَنبَسَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ 
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «§السُّنَّةُ وَالسَّبِيلُ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ: «سَبِيلًا وَسُنَّةً»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {§شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «سَبِيلًا وَسُنَّةً»
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ لَجَعَلَ شَرَائِعَكُمْ وَاحِدَةً , وَلَمْ يَجْعَلْ لِكُلِّ أُمَّةٍ شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا غَيْرَ شَرَائِعِ الْأُمَمِ الْآخَرِ وَمِنْهَاجِهِمْ , فَكُنْتُمْ تَكُونُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً , لَا تَخْتَلِفُ شَرَائِعُكُمْ وَمِنْهَاجُكُمْ. ولَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ , فَخَالَفَ بَيْنَ -[499]- شَرَائِعُكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ فَيَعْرِفَ الْمُطِيعَ مِنْكُمْ مِنَ الْعَاصِي وَالْعَامِلَ بِمَا أَمَرَهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُخَالِفِ. وَالِابْتِلَاءُ: هُوَ الاخْتِيَارُ , وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ. وَقَوْلُهُ {فِيمَا آتَاكُمْ} يَعْنِي: " فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكُتُبِ. كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: {§شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ: «سَبِيلًا وَسُنَّةً»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: {§وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ} قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ مِنَ الْكُتُبِ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ , وَمَنِ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ , وَقَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الْمَعْنَىَ: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا لِكُلِّ نَبِيٍّ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ وَأُمَمِهِمُ الَّذِينَ قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُخَاطَبُ النَّبِيُّ وَحْدَهُ؟ قِيلَ: إِنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَأُمَمِهِمْ , وَلَكِنَّ الْعَرَبَ مِنْ شَأْنِهَا إِذَا خَاطَبَتْ إِنْسَانًا وَضَمَّتْ إِلَيْهِ غَائِبًا فَأَرَادَتِ الْخَبَرَ عَنْهُ أَنْ تُغَلِّبَ الْمُخَاطَبَ فَيَخْرُجُ الْخَبَرُ عَنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ , فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَادِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ , إِلَى الصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْقُرَبِ إِلَى رَبِّكُمْ بِإِدْمَانِ الْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّكُمْ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَهُ امْتِحَانًا لَكُمْ وَابْتِلَاءً , لِيَتَبَيَّنَ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيءِ , فَيُجَازِي جَمِيعَكُمْ عَلَى عَمَلِهِ جَزَاءَهُ عِنْدَ مَصِيرِكُمْ إِلَيْهِ , فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا , فَيُخْبِرُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ بِمَا كَانَ يُخَالِفُ فِيهِ الْفِرَقَ الْأُخْرَى , فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ , وَيُبَيِّنُ الْمُحِقَّ بِمُجَازَاتِهِ إِيَّاهُ بِجَنَاتِهِ مِنَ الْمُسِيءِ بِعِقَابِهِ إِيَّاهُ بِالنَّارِ , فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ كُلُّ حِزْبٍ عِيَانًا , الْمُحِقُّ مِنْهُمْ مِنَ الْمُبْطِلِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَمْ يُنْبِئْنَا رَبُّنَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَرْجِعِنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ؟ قِيلَ: إِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِالرُّسُلِ وَالْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ , دُونَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عِيَانًا , فَمُصَدِّقٌ بِذَلِكَ وَمُكَذِّبٌ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَرْجِعِ إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِذَلِكَ بِالْمُجَازَاةِ الَّتِي لَا يَشْكُونَ مَعَهَا فِي مَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِدْخَالِ اللَّبْسَ مَعَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ , فَكَذَلِكَ خَبَرُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ يُنْبِئُنَا عِنْدَ الْمَرْجِعُ إِلَيْهِ بِمَا كُنَّا فِيهِ نَخْتَلِفُ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا , فَتَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ حِينَئِذٍ مِنَ الْمُبْطِلِ مِنْكُمْ. كَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ , عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ: {§فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 48] قَالَ: «أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْكِتَابَ , مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ , وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ فَأَنَّ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالتَّنْزِيلِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 90] بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ فِي كِتَابِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 48] فَإِنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الْيَهُودِ الَّذِينَ احْتَكَمُوا إِلَيْهِ فِي قَتِيلِهِمْ وَفَاجِرِيهِمْ , وَأَمْرٌ مِنْهُ لَهُ بِلُزُومِ الْعَمَلِ بِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاحْذَرْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ جَاءُوكَ مُحْتَكِمِينَ إِلَيْكَ أَنْ يَفْتِنُوكَ , فَيَصُدُّوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنْ حُكْمِ كِتَابِهِ , فَيَحْمِلُوكَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ. وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ تَوَلَّى هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ الَّذِينَ اخْتَصَمُوا إِلَيْكَ عَنْكَ , فَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا حَكَمْتَ بِهِ عَلَيْهِمْ , وَقَضَيْتَ فِيهِمْ , فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ , يَقُولُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَلَّوْا عَنِ الرِّضَا بِحُكْمِكَ وَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَجَّلَ عُقُوبَتَهُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِبَعْضِ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] يَقُولُ: " وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ لَفَاسِقُونَ , يَقُولُ: لَتَارِكُو الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ , وَلَخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: " دَخَلَ الْمَجُوسُ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {§وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَابْنُ صُورِيَا وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ , فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ , وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا , وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً , فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ , فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ وَنُؤْمِنُ لَكَ وَنُصَدِّقُكَ. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: {§وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] إِلَى قَوْلِهِ: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {§وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] قَالَ: " أَنْ يَقُولُوا فِي التَّوْرَاةِ كَذَا , وَقَدْ بَيَّنَّا لَكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ. وَقَرَأَ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] بَعْضُهَا بِبَعْضٍ "

 

آیه 48 سوره مائده -تفسیر طبری-1


الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبَقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] 
وَهَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [المائدة: 48] يَا مُحَمَّدُ {الْكِتَابَ} [البقرة: 2] وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِالْحَقِّ} [البقرة: 71] بِالصِّدْقِ , وَلَا كَذِبَ فِيهِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] يَقُولُ: " أَنْزَلْنَاهُ بِتَصْدِيقِ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] يَقُولُ: " أَنْزَلْنَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ , وشَهِيدًا عَلَيْهَا أَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , أَمِينًا عَلَيْهَا , حَافِظًا لَهَا. وَأَصْلُ الْهَيْمَنَةِ: الْحِفْظُ وَالارْتِقَابُ , يُقَالَ إِذَا رَقَبَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَحَفِظَهُ وَشَهِدَهُ: قَدْ هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَيْهِ , فَهُوَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً , وَهُوَ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ. إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْهُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: شَهِيدًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] يَقُولُ: «شَهِيدًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «شَهِيدًا عَلَيْهِ»
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {§وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] يَقُولُ: " الْكُتُبَ -[487]- الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] أَمِينًا وَشَاهِدًا عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] مُؤْتَمَنًا عَلَى الْقُرْآنِ وَشَاهِدًا وَمُصَدِّقًا وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَآخَرُونَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ فِيمَا إِذْ أَخْبَرَنَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِمْ بِأَمْرٍ إِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ فَصَدِّقُوا , وَإِلَّا فَكَذِّبُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَمِينٌ عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ وَإِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ -[488]- حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَنبَسَةَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ رَجُلٍ مِنْ تَمِيمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: " وَالْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ , قَالَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: {§وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] وَهُوَ الْقُرْآنُ , شَاهِدٌ عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ , مُصَدِّقًا لَهُمَا {مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] يَعْنِي: «أَمِينًا عَلَيْهِ , يَحْكُمُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ قَيْسٍ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ قَالَ: «§تَمْنَحُها أَخَاكَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , وَإِسْرَائِيلَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ , قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ , عَنْ قَوْلِهِ: {§وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: " مُصَدِّقًا لِهَذِهِ الْكُتُبِ وَأَمِينًا عَلَيْهَا. وَسُئِلَ عَنْهَا عِكْرِمَةُ وَأَنَا أَسْمَعُ , فَقَالَ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْمُهَيْمِنِ الْمُصَدِّقُ 
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: «مُصَدِّقًا عَلَيْهِ. كُلُّ شَيْءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ تَوْرَاةٍ أَوْ إِنْجِيلٍ أَوْ زَبُورٍ فَالْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ عَلَى ذَلِكَ , وَكُلُّ شَيْءٍ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مُصَدِّقٌ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا حَدَّثَ عَنْهَا أَنَّهُ حَقٌّ» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْقُرْآنِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {§وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] قَالَ: " مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْقُرْآنِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مُجَاهِدٌ: وَأَنْزَلْنَا الْكِتَابَ مُصَدِّقًا الْكُتُبَ قَبْلَهُ إِلَيْكَ , مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُصَدِّقًا حَالًا مِنَ الْكِتَابِ وَبَعْضًا مِنْهُ , وَيَكُونُ التَّصْدِيقُ مِنْ صِفَةِ الْكِتَابِ , وَالْمُهَيْمِنُ حَالًا مِنَ الْكَافِ الَّتِي فِي إِلَيْكَ , وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {عَلَيْهِ} [المائدة: 48] عَائِدَةٌ عَلَى الْكِتَابِ. -[491]- وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , بَلْ هُوَ خَطَأٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُهَيْمِنَ عَطْفٌ عَلَى الْمُصَدِّقِ , فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صِفَةِ مَا كَانَ الْمُصَدِّقُ صِفَةً لَهُ , وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ لَقِيلَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ مِنْ صِفَةِ الْكَافِ الَّتِي فِي إِلَيْكَ , وَلَيْسَ بَعْدَهَا شَيْءٌ يَكُونُ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ عَطْفًا عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا عُطِفَ بِهِ عَلَى الْمُصَدِّقِ , لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الْكِتَابِ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ الْمُصَدِّقُ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْمُصَدِّقَ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَتَأْوِيلُهُ هَذَا مِنْ صِفَةِ الْكَافِ الَّتِي فِي إِلَيْكَ , فَإِنَّ قَوْلَهُ: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَنْ يَكُونَ الْمُصَدِّقُ مِنْ صِفَةِ الْكَافِ الَّتِي فِي إِلَيْكَ , لِأَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: {بَيْنَ يَدَيْهِ} [المائدة: 48] كِنَايَةُ اسْمٍ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ , وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ إِلَيْكَ , وَلَوْ كَانَ الْمُصَدِّقُ مِنْ صِفَةِ الْكَافِ لَكَانَ الْكَلَامُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ , فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ كَذَلِكَ §الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُحْتَكِمِينَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ , بِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ , وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي خَصَّهُ بِشَرِيعَتِهِ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: احْكُمْ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِي وَأَحْكَامِي , فِي كُلِّ مَا احْتَكَمُوا فِيهِ إِلَيْكَ مِنَ الْحُدُودِ وَالْجُرُوحِ وَالْقَوَدِ وَالنُّفُوسِ , فَارُجُمِ الزَّانِي الْمُحْصَنَ , وَاقْتُلِ النَّفْسَ الْقَاتِلَةَ بِالنَّفْسِ الْمَقْتُولَةِ ظُلْمًا , وَافْقَأِ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ , وَاجْدَعِ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ , فَإِنِّي أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ الْقُرْآنَ مُصَدِّقًا فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ , وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ , رَقِيبًا يَقْضِي عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ قَبْلَهُ. وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ , الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنْ أُوتِيتُمُ الْجَلْدَ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ دُونَ الرَّجْمِ , وَقَتْلَ الْوَضِيعِ بِالشَّرِيفِ إِذَا قَتَلَهُ , وَتَرْكَ قَتْلِ الشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ إِذَا قَتَلَهُ , فَخُذُوهُ , وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا , عَنِ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ , وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ. يَقُولُ لَهُ: اعْمَلْ بِكِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ إِذَا احْتَكَمُوا إِلَيْكَ , فَاخْتَرِ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ , وَلَا تَتْرُكَنَّ الْعَمَلَ بِذَلِكَ اتِّبَاعًا مِنْكَ أَهْوَاءَهُمْ وَإِيثَارًا لَهَا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ فِي كِتَابِي. كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {§فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48] يَقُولُ: " بِحُدُودِ اللَّهِ {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا هَارُونُ , عَنْ عَنبَسَةَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ بِاللَّهِ؛ ثُمَّ قَرَأَ: {§وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] "
تفسیر طبری، ج 8 از ص 485

راهکارهای قرآن برای رفع اختلاق

راهکارهای قرآن برای رفع تفرقه و اختلاف

مهمترین آن ایمان و عمل صالح است

سرآغاز

ای نام تو بهترین سرآغاز

بی نام تو نامه کی کنم باز